بدل النقل في خدمة أصحاب العمل والسلطة -- Oct 29 , 2026 11
إذا كانت خمسة ليترات من البنزين تمثّل فعلاً كلفة وصول العامل إلى مكان عمله، فيُفترض أن يكون ممكناً ربطها بمسافته ووسيلة انتقاله والكلفة التي يتحمّلها فعلياً. أمّا إذا كانت الليترات الخمسة مجرد طريقة للقول إن دخل العامل لم يعد كافياً وإنه يحتاج إلى مبلغ إضافي كل شهر، فعندها لن نكون فعلياً أمام بدل نقل، إنما هو جزء من الأجر وغلاء المعيشة. وهذه هي إشكالية بدل النقل في لبنان. فالمبلغ الذي يُفترض أن يعوّض العامل عن كلفة محدّدة مرتبطة بالانتقال إلى العمل، تحوّل مع الوقت إلى جزء أساسي من دخله الشهري، وإلى واحدة من الأدوات المُستخدمة كلما تآكلت قيمة الأجر.
ومع ذلك، بقي هذا الجزء منفصلاً عن الأجر قانونياً، فلا يُعامل بالطريقة نفسها ولا تترتّب عليه كل الحقوق نفسها. ربّما قد يكون بدل النقل موجوداً بشكل مستقلّ في اقتصادات أخرى ربطاً بكلفة الانتقال الفعلية التي يمكن تحديدها واحتسابها، بينما صارت وظيفة بدل النقل في لبنان تقديم تعويض عن ضعف الأجر.
«مؤقّت» منذ ثلاثة عقود
بدأ بدل النقل في القطاع الخاص بصيغته المعروفة في منتصف التسعينيات. ففي الأسباب الموجبة لأحد الاقتراحات النيابية المُقدّمة عام 2012، يشير مجلس النواب إلى أن المرسوم الرقم 6263 الصادر في كانون الثاني 1995 أعطى العاملين في القطاع الخاص «بدل نقل يومياً مؤقتاً»، لمواجهة ارتفاع كلفة الانتقال إلى العمل. أي إن الفكرة، منذ بدايتها، لم تكن إنشاء جزء جديد من الأجر، بل تعويض العامل عن نفقة محدّدة يتحمّلها بسبب ذهابه إلى مكان العمل.
وبعد 17 سنة، تكررت الصيغة نفسها تقريباً. فالمرسوم الرقم 7573 الصادر في شباط 2012 أعطى الأجير ثمانية آلاف ليرة عن كل يوم حضور فعلي، لكنه شدّد على أن هذا الإجراء يحصل «بصورة مؤقّتة» ولمدّة سنة واحدة، والأهم أنه حدّد الغاية من هذا الوقت، «ريثما يتم تفعيل وسائل النقل العام». ثم مرّت 14 سنة إضافية، ولم يتحوّل النقل العام إلى البديل الذي يلغي الحاجة إلى البدل، فيما تحوّل الإجراء المؤقّت نفسه إلى مؤسّسة دائمة في نظام الأجور.
صحيح أن العامل يتحمّل بالفعل كلفة الوصول إلى مقرّ عمله، لكن لماذا استمرت السلطة في لبنان لأكثر من ثلاثة عقود، بتعويض هذه الكلفة بالطريقة نفسها، رغم أن الطريقة نفسها صُمّمت كحلّ مؤقّت إلى حين معالجة أصل المشكلة؟
أصل بدل النقل
الأجر هو المقابل الذي يحصل عليه العامل لقاء عمله، ومنه تُشتق مجموعة من الحقوق والاشتراكات والالتزامات. أمّا بدل النقل، بمنطقه الأصلي، فهو استرداد لكلفة تكبّدها العامل لكي يستطيع الوصول إلى العمل، أي إنه يشبه أكثر النفقات المهنية منه إلى الراتب. لذا، يمكن من حيث المبدأ، أن يبقى بدل النقل خارج الأجر. إذا كان العامل يدفع 100 دولار مثلاً لقاء اشتراك في شبكة قطارات أو حافلات حتى يصل إلى عمله، ثم يعوّضه صاحب العمل عن جزء من هذه الكلفة، لا يصبح التعويض بالضرورة أجراً. صاحب العمل لا يدفع للعامل لقاء عمل إضافي، بل يتحمل جزءاً من نفقة محدّدة مرتبطة بالوصول إلى العمل.
لكن لكي يبقى هذا الفصل منطقياً، يجب أن يبقى البدل مرتبطاً بالنفقة نفسها. وهنا تبدأ المشكلة في لبنان، فالبدل لا يُحتسب وفق المسافة التي يقطعها العامل، ولا وفق وسيلة النقل التي يستخدمها، ولا وفق الكلفة التي دفعها فعلياً. العامل الذي يسكن قرب مكان عمله، يحصل مبدئياً، على القيمة اليومية نفسها التي يحصل عليها عامل يقطع عشرات الكيلومترات. ومن يذهب بسيارته الخاصة يدخل في المعادلة نفسها التي يدخل فيها من يستخدم «فاناً» أو حافلة أو يشارك سيارة مع شخص آخر.
حتى التشريع اللبناني يعترف ضمناً بأن الغاية الأصلية مختلفة. فالاقتراح النيابي الذي نوقش عام 2012 كان يجيز إعفاء صاحب العمل من دفع البدل عندما يؤمّن بنفسه وسيلة نقل للأجراء أو مكاناً للمبيت، بما أن النفقة التي يُفترض أن يعوّضها تكون قد اختفت أصلاً. المنطق واضح هنا، بدل النقل مرتبط بكلفة الانتقال، لكن هذا الرابط يضعف عندما يصبح البدل مبلغاً عاماً موحداً، وخصوصاً عندما يُستخدم لرفع دخل العمال من دون رفع أجرهم.